كل مساء، يجلس آلاف الأشخاص الصم أمام شاشات التلفزيون، يراقبون حركة الشفاه وتبدّل الصور، من دون أن تصلهم
الكلمات ولا المعاني كاملة.
ففي بلدٍ يتّسم بتعدّد الثقافات واللهجات، لا تزال لغة الإشارة غائبة إلى حدٍّ كبير عن المشهد الإعلامي، على الرغم من وجود آلاف
الأشخاص الصم الذين يعتمدون عليها كوسيلة تواصل أساسية مع العالم. هذا الغياب يفرض حاجزًا غير مرئي أمام فئة كاملة من
المجتمع، ويحول دون فهمها لما يدور من حولها، مستثنيًا إيّاها من حقّها الطبيعي في الوصول إلى المعلومات والمشاركة في
الشأن العام. فغياب هذه الوسيلة لا يعني فقط فقدان المعلومات، بل شعور مستمر بالإقصاء والانعزال، يجعل الشخص الصم
يواجه تحديات مضاعفة في حياته اليومية، من التعليم إلى متابعة الأحداث المجتمعية والسياسية.
ورغم التطوّر الكبير الذي شهده الإعلام في السنوات الأخيرة، لا يزال دمج لغة الإشارة في المحتوى الإخباري محدودًا جدًا،
وغالبًا ما يُنظر إليه كخيار إضافي، وليس كجزء أساسي من الرسالة الإعلامية. هذا الإقصاء لا يؤثر فقط على الجانب المعرفي،
بل يمتد ليطال الصحة النفسية للأشخاص الصم، مؤثّرًا على شعورهم بالانتماء وتقدير الذات، في ظل إعلام لا يخاطبهم بلغتهم.
في لحظات الأخبار العاجلة، كالأزمات الأمنية أو الأحداث السياسية المفصلية، يصبح هذا الحاجز أكثر قسوة، إذ يعيش الشخص
الأصم الحدث متأخرًا أو منقوصًا، في وقت يتفاعل فيه المجتمع مع تفاصيل دقيقة تغيّر مجرى الواقع.
من هنا، تبرز أهمية إدماج لغة الإشارة في نشرات الأخبار باعتبارها لغة أساسية، لا خيارًا إضافيًا، وحقًا إنسانيًا وإعلاميًا لا
يمكن تجاهله أو تأجيله. وبينما كان كثيرون يعتقدون أنّ هذه الخطوة صعبة التنفيذ، برزت تجربة في تلفزيون لبنان سعت
إلى كسر هذا الغياب الطويل. إذ أصبحت القناة الوحيدة في لبنان التي تعتمد ترجمة نشرتها الإخبارية المسائية إلى لغة الإشارة،
في خطوة تهدف إلى جعل الخبر متاحًا لجميع المواطنين دون استثناء، ومكافحة الشعور بالإقصاء الذي طال مجتمع الصم
لسنوات.
هذه المبادرة ليست جديدة على القناة، إذ كانت مطبّقة سابقًا قبل أن تتوقف نتيجة الظروف الصعبة التي مرّ بها لبنان، من أزمات
سياسية واقتصادية واجتماعية. ومع تحسّن الأوضاع، أعيد تفعيلها، وجرى العمل على تطويرها من جديد، محاولةً لإعادة
الاعتبار لدور الإعلام الجامع، وللتأكيد على أنّ الحق في المعرفة لا يجوز أن يكون حكراً على شريحة معينة من المجتمع. وقد
جاءت هذه الخطوة بدعم من جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية، وبجهد من وزير الإعلام السابق المهندس زياد
المكاري، في مسعى لجعل شاشة الوطن مساحة جامعة، تعكس حقّ الجميع في الوصول إلى المعلومة، دون أي تمييز أو
إقصاء.
هذا التعامل مع لغة الإشارة كعنصر ثانوي يعكس رؤية إعلامية تقليدية، لا تزال تحصر الجمهور في فئة “السامعين”، وتتجاهل
أنّ الإعلام، بطبيعته، مساحة جامعة يفترض أن تعكس تنوّع المجتمع بكل فئاته.
ففي حين تكتفي بعض القنوات بإدراج الترجمة في مناسبات خاصة أو حملات موسمية، اختار تلفزيون لبنان إعادة
إدماج لغة الإشارة ضمن نشرة إخبارية رسمية وثابتة، ما يمنح المبادرة طابعًا مؤسساتيًا لا شكليًا
وفي قلب هذه المبادرة، وقفت وفاء حيدرلتعيد الحياة لفكرة إدماج لغة الإشارة في نشرة أخبار تلفزيون لبنان، بعد فترة
طويلة من التوقف نتيجة الأزمات المتتالية. وتوضح أنّ المشروع لم يولد من فراغ، بل هو امتداد لمسار قديم عرفته القناة منذ
سنوات، مضيفة أنّ قرار إعادة تنشيط الفكرة جاء نتيجة إيمان حقيقي بحق المواطن الصم في الاطّلاع على الأخبار وفهم ما
يجري حوله، بالتعاون مع جمعية المقاصد التي ساعدت في توفير التجهيزات التقنية اللازمة لإعادة إطلاق المشروع، وتضيف
حيدر أنّ إعادة تفعيل هذه التجربة حملت بُعدًا شخصيًا بالنسبة لها، إذ رأت فيها فرصة لإصلاح فجوة إعلامية طالما
اعتُبرت هامشية، لكنها تمسّ حياة فئة كاملة من المجتمع بشكل يومي
تقول حيدر إنّ المبادرة حظيت بصدى واسع داخل مجتمع الصم، إذ كانت هناك حاجة ملحّة لمثل هذه الخطوة، التي تمنحهم الحق
الطبيعي في الاطّلاع على الأخبار وفهم الأحداث الجارية في بلدهم. وتضيف أنّ الإعلام اللبناني سلّط الضوء على التجربة، إلا
أنّ ترجمة لغة الإشارة لا تزال مقتصرة على النشرة الرئيسية، فيما الجمهور المستهدف أكبر بكثير ويحتاج إلى توسّع هذه الخدمة
لتشمل برامج متعددة، لتصبح لغة الإشارة جزءًا ثابتًا من المحتوى الإعلامي، وليس مجرد إضافية تظهر أحيانًا هنا وهناك.
وعن التحديات التي واجهتهم، تشرح حيدر أنّ الصعوبات لم تكن مرتبطة بالمشروع فقط، بل جاءت في سياق أزمات متلاحقة،
من الانهيار الاقتصادي وجائحة كورونا إلى تغيّبات مجلس الإدارة لفترات طويلة. هذه الظروف أدّت إلى نقص كبير في الكادر
البشري والتجهيزات التقنية، ما جعل إعداد نشرة إخبارية واحدة مهمة صعبة بحد ذاتها، فكيف الحال عند إعداد نشرة موازية بلغة
الإشارة؟ لكنها تؤكد أنّ الإصرار والتعاون بين الفريق كان العامل الحاسم في تجاوز هذه الصعوبات، مضيفة أنّ الشباب
والصبايا الذين عملوا على المشروع وضعوا قلوبهم وروحهم فيه، لأنهم أدركوا أهميته الإنسانية والاجتماعية، بالنسبة لغنوي،
لا تقتصر الترجمة الإخبارية على نقل الكلمات، بل على نقل السياق والمشاعر والخطورة أحيانًا، لأن أي خطأ في
الوصف قد يؤدي إلى سوء فهم الخبر أو التقليل من أهميته
وتشير حيدر إلى أنّ سبب عدم تبني باقي القنوات الإخبارية لهذه الفكرة غير واضح، رغم أنّ العديد من المؤسسات أشادت
بالمبادرة وأبرزت أهميتها وفوائدها، مؤكدة أنّ الفرق يكمن بين من يكتفي بالحديث عن الفكرة ومن يقرر تبنّيها وتنفيذها فعليًا.
وتؤكّد أنّ نجاح تعميم التجربة يبدأ بالإيمان بحق الإنسان في المعرفة، موضحة أنّ الأشخاص الصم يشكّلون شريحة كبيرة وفاعلة
في المجتمع، ويملكون قدرات علمية ومهنية كبيرة، ولهم الحق الكامل في المشاركة والانخراط في المجتمع. وتضيف أنّ
التوعية المجتمعية أساسية لكسر الصور النمطية التي تعتبر الأشخاص الصم مختلفين أو أقل قدرة، مشددة على أنّ عدم
القدرة على السمع أو الكلام أو الرؤية لا يعني نقصًا في العقل أو القدرة على العطاء. وما قام به تلفزيون لبنان، بحسب حيدر، هو
محاولة لإظهار هذه الشريحة وتمكينها من الوصول إلى المعلومات والانخراط الكامل في المجتمع، وعدم تركها مهمشة على
هامش الإعلام والحياة العامة.
وتختم حيدر بالقول إنّ المبادرة ليست مجرد مشروع تقني، بل رسالة إنسانية تهدف إلى الاعتراف بحقوق جميع المواطنين
وإظهار أنّ الأشخاص الصم جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي، لهم القدرة على العطاء والمشاركة، ولهم الحق في أن يُسمع
صوتهم على الشاشة كما في المجتمع
ومع هذا التفاعل الإيجابي وردود الفعل المشجعة، أصبح واضحًا أنّ وجود لغة الإشارة على الشاشة وحده لا يكفي، بل يحتاج إلى خبرة ومهارة لضمان وصول المعلومة بوضوح لجميع المشاهدين. هنا يظهر الدور المحوري للخبراء والمترجمين، الذين يشكّلون الجسر بين الأخبار والطلاب أو الجمهور الصم، ويحوّلون الترجمة من أداة تقنية إلى وسيلة فعّالة للتواصل والفهم. في هذا السياق، يشاركنا علي غنوي، خبير لغة الإشارة وأستاذ جامعي، تجربته الطويلة ومعرفته العميقة بهذا المجال، موضحًا كيف يمكن دمج لغة الإشارة في النشرات الإخبارية بشكل يضمن نقل المعلومة بدقة، ويخدم في الوقت نفسه الجانب التعليمي والتنموي للطلاب الصم، مع الحفاظ على الطابع البصري والإنساني للترجمة. يعود غنوي بالذاكرة إلى طفولته، حين كان يلتقي بأصدقاء صم في الحي ويلعب معهم، ليكتشف أنّ ما كان يكتسبه عفويًا هو لغة قائمة بذاتها تختلف من بلد إلى آخر. ومع بداية عمله في مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة، خضع لعدد كبير من الدورات التدريبية، وراكم خبرة تمتد لأكثر من عشرين عامًا في مجال لغة الإشارة، إضافة إلى خلفيته الأكاديمية، إذ أنجز رسالة ماجستير في تكنولوجيا الهندسة حول تعليم اللغة العربية للصم باستخدام الوسائل البصرية. ويلفت غنوي إلى أنّ إدماج لغة الإشارة في الإعلام لا يقتصر على وجود مترجم فقط، بل يتطلب كادرًا مدرّبًا على مستوى المحطات التلفزيونية، وفهمًا عميقًا للتكنولوجيا اللازمة، ورؤية واضحة لدور الإعلام في تعريف الفئة الصم وضمان حقّهم في الوصول إلى المعلومة. ويشير إلى أنّ لغة الإشارة في لبنان تتأثر بالثقافة المحلية، ما يفسّر اختلاف بعض الإشارات بين المدارس أو مقارنة باللغتين الإشارية البريطانية والأميركية، رغم أنّ المضمون يبقى مفهومًا كونها لغة وصفية بالدرجة الأولى. حول ترجمة الأخبار، يوضح غنوي أنّ المترجم قد يكون شخصًا أصم اكتسب خبرة طويلة أو شخصًا سليم السمع خضع لتدريبات متخصصة، مشيرًا إلى أنّ لبنان لا يمتلك توصيفًا رسميًا وموحّدًا لمهنة مترجم لغة الإشارة. ويشدّد على أنّ المترجم يجب أن يلتزم بأعلى معايير الدقة، فلا يجوز له الإضافة أو الحذف، لأن الترجمة تعتمد بشكل أساسي على الوصف الحيّ والدقيق للخبر. ويعدّد غنوي المهارات الأساسية للمترجم الإخباري: إتقان اللغة المحكية، معرفة قواعد لغة الإشارة، القدرة على ترتيب الجمل والوصف، استخدام لغة الجسد، والمرونة في الأداء، إضافة إلى مخزون لغوي واسع للتعامل مع المصطلحات التي لا ترجمة مباشرة لها. كما يؤكد أنّ الترجمة الإخبارية تختلف جذريًا عن التعليم في الصفوف، نظرًا لتنوّع المواضيع وارتفاع مستوى المصطلحات المستخدمة. ويربط غنوي هذه المسألة بالإطار القانوني، مشيرًا إلى القانون 25/2000 الذي ينصّ على إشراك ذوي الاحتياجات الخاصة في المؤسسات، من دون تصنيف أو تحديد نوع الإعاقة. كما يوضح أنّ تدريب الأفراد على لغة الإشارة لا يهدف فقط إلى تطوير مهاراتهم الشخصية، بل إلى تمكينهم من نقل المعرفة إلى محيطهم العائلي والاجتماعي، ما يساهم في نشر الوعي تدريجيًا. ويختم غنوي بالتأكيد أنّ إدراج لغة الإشارة ولو مرة أسبوعيًا في برنامج أو نشرة إخبارية، يكفي لتعويد الجمهور عليها، وتعزيز فهم المجتمع للأشخاص الصم، انطلاقًا من الهدف الأساسي لهذه اللغة:ضمان الحق في الوصول إلى المعلومة والمشاركة الكاملة في المجتمع
وتكمل جيهان موسى، منسّقة اللغة العربية ومعلمة لغة الإشارة، القول بأنّ غياب ترجمة لغة الإشارة عن النشرات
الإخبارية يترك أثرًا مباشرًا وعميقًا على الطالب الأصم، إذ يجد نفسه أمام محتوى لا يُخاطب لغته الأساسية، ما يحدّ من قدرته
على الفهم والمتابعة. فالأخبار بالنسبة له ليست مجرد مادة سمعية، بل نافذة أساسية لفهم ما يجري حوله، وحين تُحجب هذه
النافذة، يزداد شعور العزلة والانفصال عن المجتمع. وتلفت موسى إلى أنّ الطلاب الصم الذين يتابعون نشرات مترجمة
يظهرون قدرة أكبر على النقاش داخل الصف، وطرح الأسئلة حول القضايا العامة، ما يعزّز ثقتهم بأنفسهم ويقوّي
شعورهم بالانتماء المدرسي والمجتمعي
وتوضح موسى أنّ قدرة الطالب الأصم على فهم الأخبار تختلف باختلاف نسبة السمع لديه. بعض الطلاب يمتلكون نسبة سمع
محدودة، تصل أحيانًا إلى 20%، ما يجعل لغة الإشارة ضرورة لا غنى عنها، بينما بعضهم الآخر يستخدم سماعات طبية تصل
نسبة سمعه إلى 70%، ما يخفّف من اعتمادهم الكامل على الإشارة، لكن لا يلغي أهميتها في فهم الأخبار المعقدة والمصطلحات
الدقيقة.
وتشير موسى إلى أنّ ترجمة الأخبار بلغة الإشارة تلعب دورًا مهمًا في تنمية المهارات الأكاديمية للطلاب الصم. فهي تعتمد على
ما يُعرف بـ«التواصل الكلّي»، الذي يجمع بين النطق، ولغة الإشارة، وحركات الجسد، وتعبيرات الوجه. فالجسم، كما تقول،
يجب أن “يتحدث”، والوجه يجب أن يعكس المشاعر، حتى تُنقل الرسائل بوضوح، سواء أكانت مفاهيم مجردة أم أحداثًا تحمل
مشاعر الفرح أو الحزن. هذا الأسلوب لا يساهم فقط في الفهم اللحظي، بل يساعد الطلاب على تطوير لغتهم، سواء في التعبير
الكتابي أو استيعاب المواد الدراسية المختلفة.
أما بالنسبة لنوعية المحتوى، فتقول موسى إن الأخبار تمثّل مادة أساسية للطلاب الصم، لأنها تمنحهم القدرة على متابعة الأوضاع
في بلدهم، من السياسة إلى الشؤون الاجتماعية، وتعطيهم شعورًا بالمشاركة والاطّلاع، بدل أن يكونوا خارج دائرة الأحداث.
وعلى الرغم من توفر ترجمات مكتوبة للأفلام أو المحتوى الترفيهي، تبقى الأخبار الأكثر تأثيرًا محرومة غالبًا من هذا البعد
البصري الضروري
وتضيف موسى أنّ من أبرز تطلعاتها للمستقبل أن تشمل الترجمة الإشارية جميع البرامج التلفزيونية، لا أن تقتصر على النشرات
الإخبارية فقط. فالشخص الأصم، كما تقول، فرد كامل في المجتمع، ومن حقه أن يفهم، ويشارك، ويضحك، تمامًا مثل أي مشاهد
آخر. وترى أنّ هذا التوسع ليس رفاهية، بل حق أساسي يضمن إدماج جميع المواطنين في الحياة العامة، ويكسر حاجز
الإقصاء الذي طال فترة طويلة
في قلب نشرة الأخبار المباشرة في تلفزيون لبنان، تتواجد ملاك أرناؤوط، مترجمة النشرة المسائية، لتكون
الصوت البصري الذي يربط مجتمع الصم بما يحدث حولهم في لبنان والعالم. بالنسبة لها، كل بث مباشر هو تحدٍ وفرصة
في الوقت ذاته، إذ تختلف الترجمة على الشاشة بشكل كبير عن الصف أو المناسبات التي اعتادت العمل فيها. ففي الصف يمكن
التحضير مسبقًا، ويمكن إعادة الشرح والتوضيح، أما البث المباشر، فيتطلب سرعة ودقة استثنائية، مع القدرة على اتخاذ
قرارات فورية لنقل المعلومة بشكل واضح ومفهوم.
و قبل كل بث مباشر، تعيش ملاك حالة تركيز قصوى، مدركة أنّ كل حركة يد قد تكون الفارق بين فهم الخبر أو
ضياعه، ما يضع على عاتقها مسؤولية مضاعفة تجاه جمهور ينتظر الترجمة بشغف
تشير ملاك إلى أنّ بعض الأخبار تصلها مسبقًا مكتوبة، ما يسهل عليها التحضير وترجمة المصطلحات المعقدة، لكن الأخبار
العاجلة تتطلب ترجمة فورية، وهو ما يجعل العمل على الهواء مباشرة أكثر صعوبة. ومع ذلك، فإن خبرتها وممارستها اليومية
مكّنتها من التعامل مع كل مصطلح أو حدث مفاجئ، مهما كانت صيغته السياسية أو الاقتصادية أو التقنية، مع الحفاظ على
روح الخبر وسياقه.
وعن أصعب لحظات العمل، تقول ملاك إن البث المباشر هو الأكثر تحديًا، إذ لا مجال للتردد أو البحث عن التعبير الأمثل،
خاصة عند الأخبار التي تحتوي على مصطلحات تقنية أو سياسية معقدة. لكنها تضيف أنّ هذا التحدي يمثل فرصة للتطور
المستمر، فكل كلمة جديدة تتعلمها، وكل مصطلح تتقنه، يعزز من قدرتها على تقديم الترجمة بشكل أفضل وأكثر دقة، وهو جزء
من مسارها المهني المستمر
تشارك ملاك نصيحتها لجميع القنوات والمؤسسات الإعلامية التي تفكر بإضافة مترجم لغة إشارة: ;لغة الإشارة هي لغة
حقيقية مثل العربية أو الإنجليزية أو الفرنسية، ويجب التعامل معها على هذا الأساس. كل قناة تعتمد مترجمًا تمنح الأشخاص
الصم حقهم الأساسي في متابعة الأخبار وفهم ما يحدث حولهم. ليس فقط الأخبار السياسية أو الاقتصادية، بل كل البرامج، حتى
الترفيهية والثقافية، يجب أن تكون متاحة لهم، لأنها تضمن شعورهم بالمشاركة والانتماء الكامل.;
وتوضح ملاك أنّ تفاعل مجتمع الصم مع وجود مترجم على الشاشة مليء بالفرح والامتنان. فهم ينتظرون البث لمعرفة
أخبار لبنان والعالم، بنفس الحماس الذي ينتظره أي شخص يسمع. وجودها على الشاشة يمنحهم نافذة حقيقية على العالم، ويعزز
شعورهم بأنهم جزء من المجتمع، قادرون على فهم الأحداث ومتابعتها، وليسوا مهمشين على هامش الإعلام والحياة العامة.
وتختتم ملاك حديثها بالإشارة إلى أنّ الفيديوهات التي تظهرها على الشاشة ليست مجرد ترجمة، بل رسالة مباشرة
للجمهور، تؤكد حق الأشخاص الصم في المعرفة والمشاركة، وتجسد الجسر الحي للتواصل بين المجتمع الإعلامي وفئة
طالما انتُهك حقها في الوصول إلى المعلومات.